الشيخ المنتظري
240
دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلامية
الفاعل والإعراض عنه . وقصده لا محالة أن يكون ذلك في آخر الأمر أو أوّل الأمر بعد العلم بعدم تأثير اللسان واليد أو عدم إِمكانهما ، فتدبّر . الجهة الثامنة : في رفع توهّم وشبهة : قد يتوهّم أنّ قوله - تعالى - : " يا أيّها الذين آمنوا ، عليكم أنفسكم . لا يضرّكم من ضلَّ إِذا اهتديتم إِلى اللّه مرجعكم جميعاً فينبّئكم بما كنتم تعملون " ( 1 ) يدلّ على أنّ الإنسان إِذا لزم بيته وأصلح نفسه فلا يبال بما يقع في المجتمع من الفساد والضلال ، فيعارض ظاهر الآية ما مرَّ من الدليل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . وفيه أنّه لا يمكن رفع اليد عن الآيات الكثيرة ، والأخبار المتواترة ، وإجماع المسلمين بهذا الظهور المتوهّم . بل الظاهر أنّ المقصود بالآية بيان أنّه يجب على الإنسان أن يكون مستقلاّ في فكره وإرادته ، وأنّه إِذا فرض ضلال أفراد المجتمع أو بعضهم فليس له أن يجعل نفسه تابعاً لهم ومهضوماً فيهم كما هو المتعارف في أكثر المجتمعات ، بل يجب على كل فرد أن يهتدي بهدى اللّه ويعمل بوظائفه المقرّرة من قبله التي من أهمّها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بمقدار القدرة ، وإِذا فعل ذلك نفعه هداه قهراً ولم يضرّه ضلال من ضلِّ ، فإنّ الحق حقّ يثاب عليه وإِن أعرض عنه الأكثر ، والباطل باطل يعاقب عليه وإِن أقبل إِليه الأكثر . وفي نهج البلاغة : " أيّها الناس ، لا تستوحشوا في طريق الهدى لقلّة أهله ، فإنّ الناس قد اجتمعوا على مائدة شبعها قصير وجوعها طويل . " ( 2 ) هذا .
--> 1 - سورة المائدة ( 5 ) ، الآية 105 . 2 - نهج البلاغة ، فيض / 649 ; عبده 2 / 207 ; لح / 319 ، الخطبة 201 .